ابن عبد البر

18

الاستيعاب

للعلم ، أو قال : وعاء العلم ، وعند سلمان علم لا يدرك ، وما أظلت خضراء ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبى ذرّ . قال أبو عمر رضى الله تعالى عنه : فضّل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه بفضائل خصّ كلّ واحد منهم بفضيلة وسمه بها ، وذكره فيها ، ولم يأت عنه عليه السّلام أنه فضّل منهم واحدا على صاحبه بعينه من وجه يصحّ ، ولكنه ذكر من فضائلهم ما يستدلّ به على مواضعهم ومنازلهم من الفضل والدين والعلم ، وكان صلَّى الله عليه وآله وسلم أحلم وأكرم معاشرة ، وأعلم بمحاسن الأخلاق من أن يواجه فاضلا منهم بأنّ غيره أفضل منه ، فيجد من ذلك في نفسه بل فضّل السابقين منهم وأهل الاختصاص به على من لم ينل منازلهم فقال لهم : لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه . وهذا من معنى قول الله تعالى [ 1 ] : * ( « لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ من أَنْفَقَ من قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً من الَّذِينَ أَنْفَقُوا من بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنى » 57 : 10 ) * . ومحال أن يستوي من قاتله رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم مع من قاتل عنه . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لبعض من لم يشهد بدرا - وقد رآه يمشى بين يدي أبى بكر - تمشى بين يدي من هو خير منك ؟ وهذا لأنه قد كان أعلمنا ذلك في الجملة لمن شهد بدرا والحديبيّة . ولكل طبقة منهم منزلة معروفة وحال موصوفة ، وسنذكر في باب كل واحد منهم ما بلغنا من ذلك إن شاء الله تعالى .

--> [ 1 ] سورة الفتح آية 10 .